الشيخ عبد المجيد الخاني النقشبندي
623
الكواكب الدرية على الحدائق الوردية في أجلاء السادة النقشبندية
منه ، وأسكته ، وقال : هلّا يكتب الكاتب أكثر من كتاب واحد ! ثم بعد تناول الغداء يقيل قليلا ، ويشتغل بمطالعة الكتب الدينية والحقائق وغيرهما ، والتحارير الضرورية . ثم إذا صلّى الظهر قرأ درسي حديث وتفسير إلى العصر ، فيصلي ، ثم يقرأ حديثا وتصوفا : كمكتوبات الإمام الرباني ، وعوارف المعارف ، ورسالة القشيري . ثم يجلس في حلقة الذكر ، والتوجه العام إلى الغروب . وبعد صلاة المغرب يتوجه لخواص السالكين ، ثم يتناول العشاء ، حتى إذا صلّى العشاء أحيا عامة ليله بالذكر والمراقبة ، فإذا غلبه النوم اضطجع في مصلاه ، وربما نام وهو جالس ، ولم يعلم أنه مدّ رجليه لفرط حيائه كما تقدم . وكان لا يجلس إلا محتبيا ، كما نقل عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم وكبار الأولياء كالغوث الجيلاني ، حتى توفي على هذه الحالة . وكان حريصا على إخفاء الصدقة ، فإذا فتح عليه بشيء يقسمه على الفقراء وهم في المراقبة لئلا يشعر أحد منهم بالآخر . وكان يلبس الخشن من الثياب ، ولو أهدى إليه ثوب نفيس باعه ، واشترى عدة أثواب وتصدق بها ، وهكذا في غير ذلك ، ويقول : لأن يكتسي جماعة خير من واحد ، وورد في الصحيحين : « عن عائشة رضي اللّه عنها أنها أخرجت يوما إزارا ورداء خشنين وقالت : قبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في هذين » . وكان شديد الشفقة على المسلمين ، يكثر من الدعاء لهم ، وأكثر ما يكون في جوف الليل ، وكان له جار يسمى حكيم قدرة الله ، يصرف أكثر أوقاته في مغيبته ، فحبس يوما ، فسعى كل السعي في خلاصه ، ولم يذكر ذلك له . وكان مجلسه مجلس سفيان الثوري ، لا ترفع فيه الأصوات ، ولا تنتهك المحارم ، مبرأ عن حديث الدنيا ، فلا يذكر فيه الأمراء ولا الفقراء ، وقد استغاب بعض الحاضرين في مجلسه شخصا ، فزجره وقال : أنا أحق بما قلته منه .